أخباردراسات وأبحاث

بعد توقيع الهدنة.. سيناريوهات الحرب والسلام في السودان

القاهرة- حمدي أحمد

بعد أن أعلنت الخارجية السعودية عن توقيع اتفاقية لوقف إطلاق النار بين ممثلي القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في مدينة جدة، تفاءل السودانيون بانتهاء الحرب ولو لفترة مؤقتة يستطيعون فيها تدبر اساسيات وضروريات الحياة اليومية بعد أقل من شهرين من اندلاع الصراع بين طرفي الأزمة السودانية.

وقالت الخارجية السعودية “المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية تعلنان توقيع اتفاقية لوقف إطلاق النار قصير الأمد لمدة 7 أيام، والترتيبات الإنسانية بين ممثلي القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في مدينة جدة”.

اتفق الطرفان على أن الهدف من هذه الاتفاقية هو تحقيق وقف إطلاق نار قصير الأمد وذلك لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية الطارئة واستعادة الخدمات الأساسية.

وبموجب هذه الاتفاقية أعلن الطرفان في جدة عن الالتزام بحماية المدنيين، مع التأكيد على جميع الالتزامات الواردة فيه، بما في ذلك الالتزام بالإجلاء والامتناع عن الاستحواذ واحترام وحماية كافة المرافق العامة كالمرافق الطبية والمستشفيات ومنشآت المياه والكهرباء والامتناع عن استخدامها للأغراض العسكرية.

ولم تمنع الهدنة المؤقتة قصيرة الأمد التساؤلات من جانب السودانيين وغير السودانيين من المحيط العربي والإقليمي حول مألات الصراع في المستقبل القريب ما بعد هدنة جدة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

فعلى المستوى الميداني، لا يزال المشهد يحيطه ضبابية شديدة، خصوصا مع معركة البيانات والتصريحات الإعلامية بين طرفي المواجهة العسكرية، وبعد أن سارعت القوى الدولية والإقليمية والمنظمات الأممية من جهودها لفتح ممرات آمنة لتقديم المعونات الإنسانية والإغاثية، ونقل الرعايا الأجانب من السودان، هناك عدد من السيناريوهات للأزمة السودانية.

يقدم وادي النيل الإخباري لمتابعيه الكرام تقرير مختصر حول أراء وتوقعات بعض السياسيين والأكاديميين بشأن ما ستؤول اليه الأمور على الأرض بعد انتهاء الهدنة الموقعة بين الطرفين.

هنالك بعض السيناريوهات يتوقع حدوثها في السودان بعد انتهاء الهدنة بين طرفي الصراع، الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان حميدتي.

 

السيناريو الأول هو سيناريو “حافة الهاوية “، وهو “ألا يجد أي من طرفي الصراع القدرة على الحسم العسكري، مما يفضي إلى امتداد المعارك إلى خارج العاصمة الخرطوم وحدوث انقسام أكبر” خصوصاً وأن السودان “بلد الثنائيات العجيبة، القبلية والعرقية والدينية والمذهبية، وبالتالي إذا امتد هذا الصراع، فهنا سيحدث سيناريو حافة الهاوية الذي يقود إلى التفتت والتشرذم”.

والسيناريو الثاني، أخف ضررًا، وهو ” السيناريو الإثيوبي ” ففي إثيوبيا وبعد قتال امتد عامين، بين الحكومة الأثيوبية وقوات تحرير إقليم تيغراي، وجدوا أنه لا أحد منتصر في هذه الحرب، وأن إثيوبيا هي الخاسر الأكبر والوحيد، فذهبوا إلى المفاوضات برعاية أممية وإفريقيا في بريتوريا عاصمة جنوب أفريقيا وهنالك اتفقوا وتم إيقاف القتال.

أما السيناريو الأكثر ضرراً فهو “السيناريو الليبي“، في ليبيا الحديث عن خصمين وجانبين في السيطرة على الأرض بعدما فشلت كل الاتفاقيات والحوارات في لم شمل “طبرق وطرابلس”، فهل يمكننا أن نتحدث عن الخرطوم وإقليم دارفور في إشارة إلى انفصال دارفور عن السودان، أذا طال أمد الصراع وانتهي بالتقسيم.

السيناريو الليبي لا يختلف كثيرًا عن السوداني، إن الجيش السوداني يمثل الدولة السودانية، ولديه دول داعمة ودول متحفظة على الدعم، بل تحت الطاولة هي ضده، وهي دول إقليمية، كذلك الدعم السريع لديه دول عربية وإقليمية داعمة.د

سيناريو الحسم العسكري : على المستوى العسكري، يلاحظ من سير المعارك منذ اندلاعها أنها تدور في محيط مواقع رئيسية في العاصمة الخرطوم مثل القصر الجمهوري، ومبنى القيادة العامة للجيش ومبنى الإذاعة والتلفزيون والمطارات الرئيسية بما في ذلك مطار الخرطوم ومروى، وهو ما يعكس رغبة كل طرف في السيطرة التامة على العاصمة لما لها من دلالة رمزية، ورغم الميزة النوعية التي يمتلكها الجيش وهى سلاح الطيران، وقيامه بقصف مواقع الدعم السريع، فإن المعارك الميدانية لم تحسم بعد، ويبدو أنها ستستمر لفترة في ظل ما ثبت من دعم خارجي لقوات الدعم السريع من بعض القوى الخارجية، كما أن القوة العددية لقوات الدعم السريع والتي تزيد عن مائة ألف مقاتل تجعل من سيناريو التخلص منها أمرا صعب المنال، بل تضع تلك القوة في حسبانها إمكانية العودة إلى دارفور، نقطة انطلاقها الأساسية، والتحرك من هناك كقوة تمرد.

سيناريو الحرب الأهلية: رغم الوضع المأساوي المصاحب للمواجهات العسكرية داخل العاصمة الخرطوم، وسقوط ضحايا من المدنيين، فإن سيناريو الانزلاق نحو الحرب الأهلية أمر مستبعد، خصوصا أن المعارك لم تخرج عن طرفي الصراع، وإعلان القيادة العامة أن الوضع مستقر بشكل كبير، كما أن باقي ولايات ومدن السودان تشهد استقرارا نسبيا، لكن التحدي الأبرز في ذلك هو إمكانية دخول التيار الإسلامي على خط الأزمة.

سيناريو الوساطة الخارجية: يبقى الرهان الأساسي من مختلف التيارات السودانية هو وجود وساطة دولية تنهى حالة النزاع الداخلية، وتعيد جميع الأطراف إلى مائدة المفاوضات السياسية مرة أخرى، لاستكمال الفترة الانتقالية والدعوة لانتخابات، لكن التحدي الأساسي الذي يواجه جهود الوساطة، كثرة الجهات الخارجية المشاركة في النزاع السوداني، الذي ظهرت معها صراع الأجندات الخارجية، خصوصا مع سعى دول مختلفة لتحقيق مصالحها الخاصة والتنافس على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي وشرق وشمال إفريقيا.

لكن يبقي مشاركة القوى الإقليمية والدولية الكبرى لها أهمية خاصة في الأزمة السودانية، خصوصا الجارة والشقيقة الكبرى مصر التي تربطها مصالح استراتيجية وحيوية مع السودان، بحكم العلاقات التاريخية والأزلية بين شعبي وادي النيل، الأمر الذي يجعل السودان شأنا مصريا.

وترجم ذلك الحرص المصري على تسوية الوضع في السودان في سرعة طرح القيادة المصرية لمبادرة لتسوية الصراع بين الطرفين بالتنسيق مع جنوب السودان، ودعوة مصر والسعودية الجامعة العربية لاجتماع طارئ لمناقشة الوضع السوداني في أسرع وقت.

سيناريو عودة المفاوضات السياسية: من المستبعد عودة جميع الأطراف السودانية لمائدة الحوار والتفاوض مرة أخرى، خصوصا في ظل تصنيف المؤسسة العسكرية لقوات الدعم السريع كميليشيا متمردة، وفقدان الثقة بين عناصر المكون العسكري والقوى المدنية، والخلافات والانقسامات بين عناصر كل مكون منها، خصوصا القوى السياسية والمدنية، ومن ثم ليس هناك أفق واضح لأي مسار سياسي في الوقت الراهن.

ومن واقع ما شهده السودان ما بعد الاستقلال من أزمات وصراعات على السلطة وليس خلال السنوات الأربع الأخيرة فقط، يتضح ان اتفاقات تقاسم السلطة قضية صعبة التطبيق والممارسة، ولعل الشاهد على ذلك إخفاق ثلاث ثورات شعبية شهدها السودان منذ استقلاله في تحقيق أهدافها ومرادها، كما أن التجارب الإفريقية في تقاسم السلطة أثبتت أنها غير قابلة للاستدامة والنجاح بدرجة كبيرة.

خاتمة :

يري المتابعين أن الصراع العسكري الحالي في السودان، ما هو إلا صراع شخصي وجودي بين الرجل الأول عبد الفتاح البرهان والثاني محمد حمدان دقله على قمة السلطة الانتقالية، والواقع يقول إنه صراع بين قوتين عسكريتين تتنافسان على السيطرة على البلاد، ورغم التكلفة السياسية والاقتصادية والبشرية الباهظة لهذا الصراع، فما زالت هناك فرصة للاستماع لصوت العقل إنقاذا للسودان ذلك البلد العربي الطيب.

لذلك، قد تجاوزت الأزمة في السودان، فكرة من المخطئ ومن هو على طريق الحق، أو من الخاسر ومن الرابح، فكيف سيكون هناك رابح في وطن يتم تدميره بأيادي أبنائه، فلا أدني شك في أن الخاسر الأكبر هو السودان والشعب السوداني نفسه.

وأخيراً فعلى جميع النخبة من سياسيين وعسكريين وقادة رأى المسئولية في مشهد الدمار المحيط به، ويجب على هذه النخبة أن تتخلى عن حيادها الان، وتقف مدافعة عن السودان ومؤسساته الوطنية حفاظا عليه من مصير مجهول لا قدر الله.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى